|
هل ستكون فرنسا أول الأروبيين اختراقا للائكيةّ؟ بدأت معركة مع النقاب فى أوروبا حينما مررت إيطاليا قانون مكافحة الإرهاب، الذى يمنع ارتداء الأقنعة أو الألبسة التى تجعل من المتعذر التأكد من هوية الذين يرتدون هذه الأشياء، ولكن صيغة القانون لم تستهدف بشكل مباشر المرأة المسلمة، ومن بعدها انطلقت الحملات الغربية ضد النقاب وقادت فرنسا المبادرة الغربية لإصدار قوانين تحظر ارتداء النقاب فى الأماكن العامة، وأماكن العمل ومكاتب البريد والجامعات والمستشفيات والمبانى المملوكة للدولة، بالإضافة لوسائل النقل العامة.
جاءت المبادرة الفرنسية بتشكيل لجنة من عدد من الأحزاب قبل عام، حيث تقوم اللجنة بفحص القضية الأكثر إثارة للجدل بفرنسا والاستماع إلى كافة الحجج فى شأن النقاب. وعلى الرغم من أن اللجنة أوصت فى البداية بوجوب السماح للمرأة المسلمة بارتداء النقاب فى الشارع، إلا أن التقرير الأخير يوصي بمنع دخول أي امرأة تغطى وجهها إلى الأماكن العامة. وتظهر استطلاعات الرأى أن اثنين من كل ثلاثة فرنسيين يريدون فرض حظر على ارتداء النقاب، لكن هناك حالة انقسام بين صفوف المعارضة الاشتراكية حيال الحجاب، حتى أنهم امتنعوا عن التصويت على التقرير. واتفق العديد من القادة الأوروبيين على وصف النقاب بأنه أداة عنصرية ضد المرأة، حيث قال ساركوزى إنه يناهض المبادئ العلمانية الفرنسية، وأنه لا يتفق مع حرية المرأة، وأنه غير مرحب به فى البلاد. وترى صحيفة ''الديلى تليجراف'' أن الحملة الشعبية لإصدار قانون ''قانون ضد النقاب''من شأنها أن تساعد ساركوزى بعد سلسلة من التخبطات السياسية خلال الأشهر الأخيرة التى سلبت منه الشعبية، ففى ظهوره الاسبوع الماضي بدا ساركوزى وكأنه يسعى لاستعادة الثقة فى إدارته، خاصة بعد أن تعرض لهجوم من قبل معارضيه الذين وصفوه بأنه يعمل دعاية على غرار بيرلسكونى. من جانبها، أعلنت حكومة بيرلسكونى أنها ستحاول إضافة حظر محدد على الملابس الدينية التى تغطى الوجه. وتسعى الحكومة الإيطالية لفرض حظر على النقاب، معتمدة على النقاش فى فرنسا. انقسام كبير بين الأوروبيين ومن المرجح أن تلقى مبادرة حظر النقاب فى إيطاليا تأييدا واسعا. فلقد أظهر استطلاع للرأى أن 71% من الإيطاليين مع قرار حظر النقاب. ومن جهة أخرى، ذكرت إذاعة صوت ألمانيا هذا الاسبوع ان ألمانيا دخلت جولة من النقاش والجدل بين سياسيين وشخصيات اجتماعية وفكرية ودينية حول الموقف الذى يتوجب اتخاذه إزاء ارتداء مسلمات النقاب. وفى بروكسيل أظهر استطلاع رأي أن 72% من المواطنين يؤيدون إصدار قانون يجرم ارتداء البرقع أو النقاب، داخل الأراضى البلجيكية، إذ عبر الأشخاص عن قناعتهم بأن صدور قانون يحظر ارتداء النقاب من شأنه أن يساهم فى دعم العمل على منع ''أسلمة'' أوروبا بشكل عام وبلجيكا بشكل خاص. وتطالب إحدى الجمعيات الإسلامية الكندية الحكومة الفيدرالية بحظر النقاب، ودعا المؤتمر الكندي المسلم إلى منع النساء من ارتداء النقاب. وكانت صحيفة التايمز قد ذكرت أن حزب استقلال المملكة المتحدة يدعو لفرض حظر على النقاب، لأنه من وجهة نظرهم يمثل إهانة لقيم المجتمع البريطانى، تلك السياسة التى تتبعها العديد من الدول الغربية، ولكنها محاولة من حزب الاستقلال لتوسيع نطاق جاذبيته ومعالجة شواغل الناخبين البيض من الطبقة العامل. ولم ينته الجدل بشأن النقاب عند هذا الحد، فلقد أعلنت وزارة العدل بسويسرا أنها تنظر فى فرض حظر النقاب، بعد الاستفتاء الذى جرى بها بشأن وقف بناء مآذن جديدة. كما رفضت محكمة دعوة لاعبة كرة سلة مسلمة بالسماح لها وهي تلعب بأن ترتدى الحجاب. وقد فشل اقتراح هولندى لحظر ارتداء النقاب بعد أن قال محامون إن هذا الأمر غير دستورى، ومن ذلك الحين قالت الحكومة إنها ستسعى لحظر تغطية الوجه فى المدارس ولموظفى الحكومة، ولكن مع كل هذا الجدل المؤثر الذى أطلقته فرنسا منذ عام، فإنه قد يتم تعميم الأمر بالدول الأوروبية. تخوف فرنسي من فترة ما بعد القانون فدعوات الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى للبرلمان الفرنسى بضرورة إصدار قرار برلمانى واضح بشأن النقاب، قبل الحديث عن قانون لحظره، يعكس عمق المأزق الذى يواجهه ما بين مطالبات بحظر النقاب فى الأماكن العامة، أو الاكتفاء بحظره فى الإدارات الرسمية ووسائل المواصلات فقط. وهى المعركة التى وجد ساركوزى نفسه فى وسطها منذ منتصف العام الماضى، حين طالب نواب بالبرلمان تشكيل لجنة لدراسة ظاهرة النقاب فى جويلية 2009 تصدر توصياتها أواخر جانفي الماضي، بينما فاجأ نواب الحزب الحاكم أعضاء اللجنة ديسمبر الماضى بإصدار مشروع قانون لمنع ارتداء النقاب منعاً باتاً وفى كل مكان. وفيما أكد أعضاء بلجنة النقاب أن الاتجاه فى اللجنة يسير نحو حظره فى الإدارات الرسمية ووسائل المواصلات فقط، ستجر خطوة حظره فى الأماكن العامة، لو تم اتخاذها، الحكومة الفرنسية إلى مأزق قانونى، منع دول أوروبية أخرى من اتخاذ الخطوة ذاتها مخافة الوقوع فى مخالفات للقوانين الوطنية والدولية أيضاً. وهو ما دفع الرئيس الفرنسى للاكتفاء بعبارته الفضفاضة ''النقاب غير مرحب به فى فرنسا''، والتى لا يفهم منها ما إذا كان ميالاً إلى الحظر الكامل، أم المحدود لارتداء النقاب، لكن تصريحات الرئيس تدل على أن الرجل لا يرغب على الأقل حالياً فى ارتكاب أخطاء قانونية تشوه وجه فرنسا أمام العالم، وتوقعها فى اتهامات بتقييد الحريات الشخصية، والدينية لمواطنيها والمقيمين بها. وفيما يبدو رفض النقاب يعد اتجاهاً عاماً فى غالبية الدول الأوروبية ومنها فرنسا، إلا أن الجدل حول طريقة حظره لا تقتصر على فرنسا فقط، فقد استغلت ألمانيا على سبيل المثال فترة رئاستها للاتحاد الأوروبى فى 2007 لتوجه نداء للدول الأوروبية باتخاذ موقف حاسم من ارتداء المسلمات للنقاب، بدعوى أنه يتناقض مع الحضارة الغربية، وسبقت الدعوى قانون أصدره البرلمان الأوروبى فى 2004 يقضي بمنع المعلمات المسلمات من ارتداء الحجاب فى المدارس. وفيما أبطلت المحكمة الدستورية الألمانية فى سبتمبر 2003 قراراً يقضى بإقصاء مدرسة محجبة من عملها بحجة عدم وجود قانون ينص على حظر الحجاب، فإن المحكمة نفسها أشارت إلى أنه من حق كل ولاية على حده منع الحجاب إذا سنت قوانين محددة لمنعه، وهو ما مهد لقانون حظر الحجاب فى الأماكن العامة .2004 واكتفت عضو بمجلس الشيوخ البلجيكى بتقديم مشروع فى سبتمبر 2009 يجرم ارتداء النقاب، فى الأماكن العامة والهيئات الحكومية فقط. أما وزارة التعليم الهولندية فوافقت على مشروع قانون يقضي بحظر ارتداء النقاب فى المؤسسات التعليمية، يشمل كل من له علاقة بالعملية التعليمية من معلمين، وطلاب، وأولياء أمور، بالإضافة إلى الزوار، والعمال أيضاً، سيتم طرحه للتصويت منتصف .2010 فهل تتقدم فرنسا الصف الأوروبى وتكسر حاجز مخاوفها بسن قانون يحظر النقاب فى الأماكن العامة، لتكون بذلك الدولة الأولى التى تفعلها على الإطلاق. وتشير بعض الاوساط إلى أن هناك صعوبات حقيقية قد تمنع البرلمان الفرنسى من اتخاذ مثل تلك الخطوة، ليس فقط لأنها تخالف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وإنما لأن جميع القرارت التى اتخذتها المحكمة الأوروبية فى قضايا تخص ارتداء النقاب كانت تتعلق بحظره فى المؤسسات التعليمية، والإدارات العامة، صحيح أن المحكمة كانت تؤيد قرارت الحظر بدعوى أنه من حق الدول اتخاذ ما ترى أنه يتماشى مع الحفاظ على النظام العام والأمن، إلا أنه لا يمكن القياس على هذا الأمر فى حال ما إذا صدر قرار أو قانون بالحظر الكامل للنقاب، فى فرنسا أو غيرها. مضيفة أن دعم المحكمة الأوروبية للحظر الجزئي للنقاب فى عدة دول لم يسلم من انتقادات واسعة من قانونيين أوروبيين، بل ومن قبل الولايات المتحدة كندا. إلا أنه أضاف أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هى أعلى جهة يمكن أن يلجأ لها مواطن أوروبى بعد اللجوء لقضاء بلاده. من جهته، أعرب نجاد البرعي الناشط الحقوقى ورئيس المجموعة المتحدة للمحاماة عن تأييده لقرار حظر النقاب فى فرنسا أو غيرها، طالما أن ذلك الحظر قاصر على المؤسسات التعليمية، وأماكن العمل، والمبيت، ووسائل المواصلات، مشيراً إلى أنه من حق الدول حماية نظامها العام، وأمنها. إلا أنه أبدى تحفظاً على الاتجاه بمنع النقاب فى الأماكن العامة لأن ذلك يخالف الحرية الشخصية وحرية المعتقد، إلا أن البرعى استبعد أن تقدم فرنسا على هذه الخطوة غير المسبوقة. وأضاف ''أستبعد ذلك وإن كنت لا أرى أنه مستحيل، لأن مواثيق حقوق الإنسان يمكن تكييفها حسب الحاجة، ولكل الأطراف على السواء''. روبورتاج : مراسلنا بفرنسا رشيد سعيد فرني
|